محمد بن جرير الطبري

224

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ما ذكره مجاهد ، والله أعلم أيُّ ذلك كان . غير أن القتل قد كان لا شك فيه . * * * وأما قوله : " فأصْبَحَ من الخاسرين " ، فإن تأويله : فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم ، من حزب الخاسرين ، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم ، بإيثارهم إياها عليها ، فوُكسوا في بيعهم ، وغبنوا فيه ، وخابوا في صفقتهم . ( 1 ) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) } قال أبو جعفر : وهذا أيضًا أحدُ الأدلة على أن القول في أمر ابني آدم بخلاف ما رواه عمرو ، عن الحسن ، ( 2 ) لأن الرجلين اللذين وصف الله صفتهما في هذه الآية ، لو كانا من بني إسرائيل ، لم يجهل القاتلُ دفنَ أخيه ومواراة سوأة أخيه ، ولكنهما كانا من ولد آدم لصلبه ، ولم يكن القاتلُ منهما أخاه عَلِم سنّة الله في عبادِهِ الموتى ، ( 3 ) ولم يدر ما يصنع بأخيه المقتول . فذكر أنه كان يحمله على عاتقه حينًا حتى أراحت جيفته ، ( 4 ) فأحب الله تعريفَه السنة في موتى خلقه ، فقيَّض له الغرابين اللذين وصف صفتهما في كتابه . * * *

--> ( 1 ) انظر تفسير " الخاسرين " و " الخسران " فيما سلف ص : 170 ، تعليق : 4 . والمراجع هناك . ( 2 ) يعني الأثر : 11719 ، وانظر ما سلف أيضًا في ص : 219 . ( 3 ) في المخطوطة : " في عاده الموتى " ، وفي المطبوعة : " في عادة الموتى " ، وهذا كلام لا معنى له ، صواب قراءته ما أثبت . ( 4 ) " أراح اللحم " ، أنتن وسطعت له ريح خبيثة .